يحيي بن حمزة العلوي اليمني

63

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المثال الثاني قولنا : « اطلخمّ الأمر كما وقع لأبى تمام حيث قال « قد قلت لما اطلخم الأمر » فإن هذه اللفظة منكرة قبيحة مجانبة للكلم الفصيحة . المثال الثالث قولهم جفخت كما وقع في شعر أبى الطيب المتنبي قال : جفخت وهم لا يجفخون بها بهم « 1 » والمراد فخرت وهذه اللفظة من مستقبحات الألفاظ ومستهجناتها فما هذا حاله ينبغي تجنبه . الخاصة الرابعة : أن تكون اللفظة مألوفة في الاستعمال فلا تكون وحشية ، ويقرب معناها فلا يبعد تناوله ، فيكون سهلا بالإضافة إلى لفظه ، سريع الوقوع في النفوس بالإضافة إلى معناه ، وقد زعم بعض النظار من أهل هذه الصناعة أن الكلام الفصيح ما كان في ألفاظه عنجهية الغرابة وبعد عن الأفئدة الإحاطة بمعناه وعز عن الأفهام إدراكه ، فما هذا حاله يصفونه بالفصاحة ، وهذا جهل بمحاسن الفصاحة وأوضاع البلاغة فإنك ترى ألفاظ القرآن والسنة النبوية مع بلوغهما كل غاية من الفصاحة بحيث لا يدانيهما كلام في غاية البيان والظهور بالإضافة إلى ألفاظهما ، وفي نهاية القرب بمعانيهما ، وقد وصف الله كتابه الكريم بأنه بيان وتبيان ، ولهذا فإنه لا يكاد يشكل من ألفاظ القرآن والسنة على أحد إلا من جهة التركيب لا غير ، فأما مفرداتهما ففي غاية الوضوح والبيان والظهور ، فمتى حصلت هذه الخواص التي ذكرناها لكل لفظة كانت الغاية ، وعد الكلام فصيحا بلا مرية . الخاصة الخامسة : أن يكون اللفظ مختصا بالجزالة والرقة ولسنا نعنى بالجزالة في الكلام أن يكون وحشيا في غاية الغرابة في معانيه والوعورة في ألفاظه ، ولا نريد بالرقة أن يكون ركيكا نازل القدر سفسافا ، ولكن المقصود من الجزالة أن يكون مستعملا في قوارع الوعيد ، ومهولات الزجر وأنواع التهديد ، وأما الرقة فإنما يراد بها ما كان مستعملا في الملاطفات واستجلاب المودة والبشارة بالوعد ، والقرآن العظيم وارد بالأمرين جميعا ، ولنورد من ذلك أمثلة ثلاثة موضحات مقصودنا مما نريده هاهنا . المثال الأول : في الجزالة وما ورد فيها وهي مخصوصة بذكر أهوال القيامة ، والتحفظ على الأوامر والمناهى عن الحدود ، وحكاية إيقاع المثلات بالأمم الماضية وغير ذلك مما

--> ( 1 ) البيت في الديوان ص 225 .